هل كل شخص يسمع للناس يصلح أن يكون مستشاراً أسرياً؟

 هل كل شخص يسمع للناس يصلح أن يكون مستشاراً أسرياً؟

في مجتمعاتنا العربية، اعتاد الناس أن يلجؤوا إلى من يحسن الاستماع عند الضيق، أو من يبدو حكيمًا في حديثه، أو من مرَّ بتجارب حياتية صعبة وخرج منها سالمًا. ومع ازدياد الضغوط الأسرية، وتعقّد العلاقات الزوجية، وتغيّر أدوار الأفراد داخل الأسرة، أصبح لقب مستشار أسري يتردد كثيرًا، أحيانًا دون ضوابط واضحة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل كل شخص يسمع للناس يصلح أن يكون مستشارًا أسريًا؟

هذا السؤال لا يقلل من قيمة الاستماع، ولا من أهمية الدعم الإنساني، لكنه يضع حدًا فاصلًا بين التعاطف الفطري والممارسة المهنية. فبين أن تكون صديقًا جيدًا يسمع، وأن تكون مستشارًا أسريًا مؤهلًا، مسافة كبيرة تتطلب علمًا، تدريبًا، أخلاقًا، ومسؤولية. هذا المقال يحاول تفكيك هذه المسافة، وتوضيح المعايير الحقيقية للمستشار الأسري، والتحذير من الخلط الشائع بين النية الحسنة والكفاءة المهنية.

أولًا: الاستماع… مهارة إنسانية لا مهنية بذاتها

الاستماع مهارة أساسية في التواصل الإنساني، وهو حاجة نفسية قبل أن يكون أداة علاجية. كثير من الناس يشعرون بالارتياح لمجرد أن يجدوا من يسمعهم دون مقاطعة أو سخرية. هذا في حد ذاته فعل إنساني نبيل، لكنه ليس عملًا استشاريًا.

1. الفرق بين الاستماع العادي والاستماع المهني

  • الاستماع العادي: تعاطف، مشاركة وجدانية، محاولة مواساة، أحيانًا نصيحة مباشرة نابعة من تجربة شخصية.
  • الاستماع المهني: استماع هادف، تحليلي، تحكمه أهداف واضحة، وأطر أخلاقية، وتقنيات محددة، مع وعي بالتأثير النفسي لكل كلمة.

المستشار الأسري لا يسمع فقط، بل:

  • يلاحظ ما يُقال وما لا يُقال.
  • ينتبه للغة الجسد ونبرة الصوت.
  • يفرّق بين المشاعر والوقائع.
  • لا ينجر وراء رواية طرف واحد دون تمحيص.

2. خطورة الاكتفاء بالاستماع

الاكتفاء بالاستماع دون أدوات تحليل قد يؤدي إلى:

  • تعزيز أفكار خاطئة لدى العميل.
  • ترسيخ دور الضحية أو الجاني دون وعي.
  • اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على انفعال لحظي.

الاستماع وحده، دون علم ومنهج، قد يكون مريحًا مؤقتًا، لكنه غير آمن على المدى الطويل.

ثانيًا: من هو المستشار الأسري فعلًا؟

المستشار الأسري ليس شخصًا حكيمًا فحسب، ولا خطيبًا مؤثرًا، ولا صاحب تجربة زواج ناجحة فقط. المستشار الأسري هو متخصص يعمل عند تقاطع عدة علوم.

1. الخلفية العلمية

المستشار الأسري يحتاج إلى معرفة متعمقة في:

  • علم النفس (خصوصًا ديناميكيات الشخصية).
  • علم الاجتماع (بنية الأسرة وتأثير الثقافة).
  • نظريات الإرشاد والعلاج الأسري.
  • مراحل النمو الإنساني.
  • أنماط التعلق، التواصل، وحل النزاعات.

هذه المعارف لا تُكتسب من القراءة السطحية أو التجربة الشخصية فقط، بل من دراسة منهجية منظمة.

2. التدريب العملي

العلم وحده لا يكفي. لا بد من:

  • تدريب عملي تحت إشراف متخصصين.
  • التعامل مع حالات حقيقية متنوعة.
  • التعلم من الأخطاء ضمن بيئة آمنة.

التدريب هو ما يحوّل المعرفة النظرية إلى مهارة تطبيقية.

3. الإطار الأخلاقي

المستشار الأسري ملتزم بـ:

  • السرية التامة.
  • عدم استغلال العميل ماديًا أو عاطفيًا.
  • عدم فرض قناعاته الشخصية.
  • معرفة حدوده المهنية، ومتى يحيل الحالة لجهة أخرى.

الأخلاق ليست إضافة تجميلية، بل أساس المهنة.

ثالثًا: لماذا يظن البعض أنهم يصلحون للاستشارة الأسرية؟

هناك أسباب كثيرة تجعل أشخاصًا يعتقدون أنهم مؤهلون لممارسة الإرشاد الأسري دون إعداد حقيقي.

1. كثرة من يلجأون إليهم

عندما يجد الشخص أن الناس تفضّل الحديث معه، قد يظن أن هذا دليل كفاءة مهنية، بينما هو في الحقيقة:

  • دليل على طيبته.
  • أو قدرته على التعاطف.
  • أو سمعته الاجتماعية الجيدة.

كلها صفات مهمة، لكنها غير كافية.

2. التجربة الشخصية

بعضهم يقول: مررت بكل هذا وعالجت مشاكلي بنفسي. التجربة الشخصية تعطي فهمًا جزئيًا، لكنها:

  • ذاتية وغير قابلة للتعميم.
  • مشبعة بالتحيزات.
  • لا تصلح كمرجع علمي.

3. الخلط بين النصيحة والإرشاد

النصيحة غالبًا:

  • مباشرة.
  • نابعة من رأي شخصي.
  • تفترض أن المستشار يعرف ما هو الأفضل.

أما الإرشاد الأسري:

  • يساعد العميل على الاكتشاف.
  • لا يملي قرارات.
  • يحترم استقلالية الفرد والأسرة. 

رابعًا: مخاطر المستشار غير المؤهل

النية الحسنة لا تمنع الضرر. المستشار غير المؤهل قد يسبب أذى عميقًا دون أن يدرك.

1. تعقيد المشكلة بدل حلها

  • الانحياز لطرف ضد آخر.
  • تضخيم الخلافات البسيطة.
  • تشجيع قرارات متسرعة.

2. إحداث أذى نفسي طويل الأمد

  • إشعار أحد الأطراف بالذنب أو العار.
  • زعزعة الثقة بالنفس.
  • ترسيخ أنماط تواصل سامة.

3. كسر الثقة في المهنة نفسها

عندما يفشل مستشارغير مؤهل، يخرج العميل بانطباع سلبي عن الإرشاد الأسري كله، ما يحرمه لاحقًا من مساعدة حقيقية.

خامسًا: مهارات أساسية لا يكتفي فيها بالاستماع

لكي يكون الشخص مستشارًا أسريًا، لا بد أن يمتلك مجموعة مهارات مركبة:

1. مهارة التحليل

فهم جذور المشكلة، لا مظاهرها فقط، وربط الحاضر بالماضي دون الوقوع في التبرير.

2. إدارة الجلسة

  • ضبط الوقت.
  • توجيه الحوار.
  • منع التصعيد.
  • خلق مساحة آمنة للجميع.

3. الحياد الواعي

الحياد لا يعني اللامبالاة، بل يعني:

  • عدم التورط العاطفي.
  • عدم إسقاط التجارب الشخصية.
  • رؤية الصورة الكاملة.

4. الوعي بالثقافة والقيم

في مجتمعاتنا، للأسرة خصوصية دينية وثقافية، والمستشار مطالب باحترامها دون أن يتحول إلى واعظ أو قاضٍ.

سادسًا: متى يكون الاستماع وحده كافيًا؟

الاستماع وحده كافٍ عندما:

  • يكون الحديث بين أصدقاء أو أفراد أسرة.
  • لا توجد قرارات مصيرية.
  • لا يُقدَّم على أنه علاج أو إرشاد.

أما عندما:

  • تُطرح مشكلات زواجية عميقة.
  • يكون هناك أطفال متأثرون.
  • تتداخل مشاعر الغضب والذنب والخوف.

فهنا لا يكفي الاستماع، بل يصبح التخصص ضرورة أخلاقية.

سابعًا: كيف تعرف أنك لا تزال في منطقة الاستماع لا الاستشارة؟

اسأل نفسك بصدق:

  • هل أملك تدريبًا معتمدًا؟
  • هل أعرف ماذا أفعل إذا تفاقمت الحالة؟
  • هل أستطيع أن أقول لا أعرف؟
  • هل أعمل تحت إشراف أو مرجعية مهنية؟

إذا كانت الإجابة لا، فأنت مستمع جيد… وهذا شرف، لكنه ليس مهنة.

ثامنًا: الطريق الصحيح لمن يرغب أن يصبح مستشارًا أسريًا

الرغبة في مساعدة الناس قيمة عظيمة، ويمكن توجيهها بشكل صحيح عبر:

  1. دراسة علمية منهجية.
  2. تدريب عملي حقيقي.
  3. إشراف مهني مستمر.
  4. عمل عميق على الذات.
  5. بناء أخلاقي متين.

بهذا فقط يتحول الاستماع من تعاطف فطري إلى أداة شفاء واعية.

ليس كل من يسمع للناس يصلح أن يكون مستشارًا أسريًا، كما أن ليس كل من يحمل نية طيبة مؤهلًا لتحمل مسؤولية التأثير في مصائر الأسر. الاستماع بوابة مهمة، لكنه بداية الطريق لا نهايته.

الاستشارة الأسرية مهنة إنسانية دقيقة، تحتاج إلى عقل مدرَّب، وقلب واعٍ، وأخلاق راسخة. وبين الاحترام للاستماع، والالتزام بالتخصص، تُبنى الممارسة الآمنة التي تحفظ كرامة الإنسان والأسرة معًا.

وفي النهاية، أعظم خدمة يمكن أن تقدمها للناس أحيانًا، هي أن تعرف حدودك… وأن تدلهم على الطريق الصحيح، لا أن تقودهم فيه دون خريطة.

 اذا حابب الاشتراك معنا بدبلوم المستشار الاسري والتربوى المقدمة من اكاديمية الشرق الاوسط للتدريب والتطوير وبإعتماد مهنى ودولي من المعهد الامريكى للتنمية والحصول على خصم كبير سجل بياناتك الان

استمارة التسجيل👇

اكاديمية الشرق الاوسط للتدريب والتطوير
اكاديمية الشرق الاوسط للتدريب والتطوير